الأربعاء - 7 كانون الاول (ديسمبر) 2016 - السنة الثانية - العدد 1108
Wednesday-7 Dec 2016 No. 1108
معصوم: مرحلة ما بعد داعش تتطلب رصّ الصف الوطني القانونية النيابية تؤكد مضيها بتشريع جميع القوانين المعطّلة تعيين وجبة جديدة من حملة الشهادات العليا داعش يفخّخ المِئْذَنة القديمة ومواقع تأريخية في عنة اعتقال 3 نازحين بتهمة الإرهاب في البصرة فرض حظر جزئي للتجوال في سامراء لتأمين زيارة الإمامين العسكريين (ع) عضو في مجلس بغداد: أنباء جمع تواقيع لاستجواب المحافظ كاذبة شهيد وتسعة جرحى بانفجار ناسفتين في بغداد الصحة تطالب الداخلية بمنع بيع الألعاب النارية القوات الأمنية تحرّر قرى جديدة في الساحل الأيسر للشرقاط

موقع الدكتور إبراهيم الجعفري

قناة بلادي الفضائية

وكالة بلادي الإخبارية

مركز بلادي للدراسات الاستراتيجية

الجمال من صفات الله تعالى أودعها في مفردات مخلوقاته وركّب في النفس البشرية ملكة التذّوق لها......
بصعوبة ومثل كل مرة خرجت الموازنة من غرفة الإنعاش بقدرة قادر، ووضع الجميع ضد الجميع ......
مخطئ من يظن ان المشاكل التي تمر بها كرتنا كلها بسبب الإدارة الحالية لاتحاد كرة القدم، فالرئيسان .......
اختُتم في الجزائر العاصمة المنتدى الافريقي للاستثمار والأعمال، الذي استمرت فعالياته .......

ا للـــــوحـــــة و الـــحــــاجـــــــــــــز


~صلاح مهدي قاسم الرسام.. لا اعرف عنه غير اسمه الذي تركه بوضوح اسفل الحاجز الكونكريتي كتوقيع على لوحته المرسومة على ذلك الحاجز. كانت اللوحة لوجه ملكة آشورية ينساب تحته جزء من مياه دجلة وسرب حمامات بيضاء ومساحات ملونة, اعتدت ان أراها بشكل يومي في طريقي الى المدرسة وهي تصطف مع لوحات اخرى على خط الحواجز التي وضعت للحد من نشاط الارهابيين في المدينة.البارحة طلب منا استاذ اللغة العربية ان نشرع في كتابة قصة قصيرة ترك لنا اختيار موضوعها ولكنه حذر من مضمون يمس الدين او الاخلاق, ثم جلس على كرسيه بشكل متكاسل كما لو انه أوعز لنا بكتابة القصة ليصنع لنفسه فرصة الاستراحة من اي جهد. بعد لحظات وجدتني افكر في قاسم ولوحته كموضوع انسج منه تفاصيل قصتي وتخيلته شاباً ذا شعر مجعد يقف امام لوحته وهي لم تكتمل بعد .. انتهى من وجه الملكة الاشورية ومازال امامه دجلة والحمامات والمساحات الملونة, اغمضت عيني وتخيلته يدس فرشاته في اللون الازرق ليرسم النهر, ولكنني وجدت فجأة ان مشاهد ـ في عتمة اغماضتي ـ راحت تتابع من تلقاء نفسها وأن بوسعي الاعتماد على هذا التتابع التلقائي في كتابة القصة, أن احول ما يومض في ذهني من مشاهد الى عبارة مكتوبة أصوغها بشكل متناسق, ومع تتابع المشاهد تتوالى العبارات فتكتمل القصة.. تخيلته يحرك الفرشاة ناشرا اللون الازرق على جسد الكونكريت حتى اوشك ان ينتهي من دجلة, وحينذاك حلّ المساء فلم يعد في المكان غير ضياء خافت لايمكنّه من الرسم, فجمّع ادوات الرسم على أن يعود في الغد ليكمل اللوحة.
توقفت لبرهة وانا افكر بحذف العبارة الاخيرة, وسرعان ما فعلتها بعدما قررت ان اخترق لعبة الخيال الحر واجعل قاسم يكمل الرسم رغم الظلام، ولكن كيف يفعل ذلك ؟
خطر لي ان اجعله يرسم في اللوحة شمساً تضيء له المكان وهو حل فنتازي مقبول في قصة اريد لها سمة الحداثة ولكنني عدلت عن الفكرة حين راودني احساس بهشاشة في الرمز, الذي بدا لي ـ وقد تمثل بالشمس التي يرسمها ـ كلاسيكيا تكرر في الكثير من القصص التعبوية. استغرقني التفكير لدرجة اني لم انتبه لسرمد وقد نهض واقفا حتى بادر المعلم بقوله:
ـ استاذ ماذا تقصد بعدم المساس بالدين؟!
ـ وماذا يمكن ان اقصد ؟
الاساءة اليه طبعا
أجاب الاستاذ دون ان يغير من هيئته المتكاسلة
ـ ولكن الاساءة مفهوم..
عدّل المدرس من جلسته وبادره على الفور مقاطعا
ـ فهمتَ ما اقصد فلا تطل الحديث بفلسفة فارغة
لم يكن سرمد لادينيا وكنت واثقا انه لن يجر الحوار الى دعوة من النوع التي يقصدها المعلم بل على العكس كان سيقدم طرحا فكريا ناضجا, ولكن الطريقة التي تحدث بها المعلم اضطرت سرمد للجلوس وانهاء الحديث, وعندها احتوتني لعبة الخيال الحر وتحويل المشاهد المتتابعة الى عبارات ادبية فرحت اكتب:
كومة من القمامة تجمعت عند منعطف الشارع وبالقرب من الجدار الكونكريتي, اشعل قاسم ضوء نقاله الصغير واقترب منها.. كانت تضم كمية من ارز مطبوخ وقشور لفواكه وعلب فارغة, ثم هبطت على شكل حبات المطر نفايات ورقية وعلب كارتونية فارغة وبعض القطع الخشبية, من طرف الشارع بدء رجلان يتقدمان وقد لاحا في الضياء الخافت كاشباح تترنح, كانا يثملان من قنينة خمر حملها احدهما فيما حمل الآخر سيفاً امسك بمقبضه وقد اسند نصله على كتفه, وحين مرّا بقاسم لم يفوها بكلمة او يلتفتا اليه, واكتفيا بان القى حامل القنينة زجاجة الخمر في كومة القمامة وأنزل الاخر السيف تاركا نصله يخط على الارض واستمرا في المسير حتى اختفيا عند منعطف الشارع المظلم, هرول قاسم الى القنينة وحين تناولها بدا عليه سرور واضح حيث لم يجدها فارغة تماما واسرع برش مافيها من مشروب كحولي على كومة القمامة بدل النفط و قرّب منها لهب النار من قداحته فسرت نار كبيرة في اكوام القمامة.
تحول المشهد فجأة الى روضة غناء تملؤها زهور ندية تتساقط من على قامات شجيراتها كرؤوس مقطوعة, ثم بيت بغدادي تراثي فرشت باحته ببساط احمر قان وعليه نسوة كثيرات يتلفعن بعباءاتهن في نوبة بكاء مرير, ثم رجل يقف على شرفة عالية واضعاً يديه حول خصره, فكانت مهمة التعبير, عن هذه المشاهد بشكل مترابط ومن ثم اتصالها بخط القصة ومايفعله قاسم, عسيرة. تطلبت مني الاستغراق في تفكير عميق قطعه عليّ سرمد مرة اخرى حين فاجأ الجميع باعلانه للمعلم عن انتهائه من كتابة القصة.
طلب منه المعلم الوقوف امامنا لإلقاء ما كتبه, وعندما كان سرمد يقطع المسافة الى السبورة تبادر الى ذهني ان يكون قد كتب القصة مسبقاً, ولكني انصرفت عن التفكير للإصغاء الى ما يقوله سرمد حين شرع بذلك..
قال سرمد:
ليس ثمة مكان تتشكل فيه لوحة الشروق كما يكون ذلك في قريتنا, حين يطل قرص الشمس غضاً محبباً من خلال اشجار التوت, وتكون له رائحة مميزة يعشقها الأب توما فلا ينقطع يوماً عن الوقوف عند نافذة الكنيسة المطلة على منظر الشروق....
قاطعه رنين الجرس فأشار المعلم الى سرمد ان يكتفي بما قرأه وانه سيكمل القصة في حصة قادمة.
في طريق العودة تحدث سرمد عن احداث قصته قائلاً:
ـ سيصلي الأب توما في الكنيسة وحين ينتهي سيخلع مسوحه ويغادر الكنيسة الى ابناء القرية وقد تجمعوا في الساحة لينطلق معهم الى النهر لاصطياد السمك.
ـ انه رمز واضح لفصل الدين عن الدولة ولن يقبل المعلم منك ذلك
اجبته باعتراض
ـ ليس هذا ما اعني .. وهو فهم قاصر
فالدين ليس بالمسوح ..
لم افهم عبارته الاخيرة ولكني سكت ولم اجبه بكلمة تجنباً لما سيجره ذلك من حوار سيقحم فيه تفاصيل ربما لن افهمها هي الاخرى, وسكت سرمد ايضاً طوال المسافة المتبقية الى البيت, ولكن عينيه ظلتا تتحدثان عن رغبة في الافصاح عما يعنيه, ربما كان سكوته بسبب معرفته باني لن افهم ما سيقوله وسيكون الحوار معي بلا معنى.
ما إن وصلت المنزل حتى اسرعت الى غرفتي في الطابق العلوي, وفتحت دفتر الانشاء لاكمال القصة, كنت متلهفاً لان يكمل قاسم اللوحة ويرسم المساحات الملونة والحمامات البيضاء, اغمضت عينّي لأعاود لعبة الخيال الحر وشرعت اكتب..
اشتعلت كومة القمامة مصدرة لهباً عالياً, وحين التفت قاسم جهة اللوحة فاجأه الضوء الخافت الذي مازال يغطي الجسد الكونكريتي, فنيران القمامة رغم لهيبها العالي لا تبعث الضياء في المكان.
النار العاطلة عن الضياء, مشهد ومض في ذهني من تلقاء نفسه, لعله لم يكن تلقائياً تماماً وأنه صدر عن اللاوعي من رفضي لان يكون الضياء الذي تكتمل به اللوحة يصدر من قمامة, ولكن المكان ليس فيه غير شريط الاسفلت الممتد على طول الشارع وهياكل الكونكريت والقمامة.
فمن أين يمكن ان يكون لقاسم ضوء ؟
عاد الرجل ذو السيف الذي تركه يخط في الارض وهو يحمل فانوساً وكان ينحني على الارض كما لو انه يفتش عن شيء أضاعه, في مشهد لاحق مر قطار سريع يخترق عتمة الليل ثم صار بعيداً والرجل ذو السيف واقف ينظر بصمت وكأنه فاته. ظللت افكر في معنى للقطار الذي مر من امام رجل السيف وعن بحث الرجل تحت ضوء الفانوس, ولاني كنت متلهفاً لان تكتمل اللوحة فكرت ان اجعل القطار بشكل فنتازي مثير يمر من امام اللوحة فيضيئها بمصابيحه الكبيرة ويشرع قاسم بالرسم, وفوراً اغمضت عيني ليرتسم المشهد في عتمة مخيلتي .. تراءت لي اللوحة في الضوء الخافت وقاسم جالساً بالقرب منها والقمامة وانعطافة الشارع, ولكن القطار لم يأت. بقيت مدة طويلة مغمض العينين بانتظار مجيئه حاملاً الضوء في مصابيحه الكبيرة دون جدوى, مرّت صور ومشاهد كثيرة لاعلاقة لها باللوحة.. الراهب توما وهو يغلق النافذة والمعلم بجلسته المتكاسلة واعلانات ضوئية لاجهزة الكترونية.
رغبتي باكتمال اللوحة جعلتني انتظر طويلاً ليس للقطار فحسب بل لأي وسيلة اخرى تمكّن قاسم من أن يرسم المساحات الملونة والحمامات البيضاء المحلقة, ولكن دون جدوى وبقيت اللوحة ليس فيها غير وجه الملكة الاشورية وضربات فرشاة لاتشبه دجلة.
لم تكن لوحة في عتمة الخيال, بل هي اللوحة الحقيقية وكنت اطالعها بصمت في طريقي الى المدرسة. كانت الحمامات جميلة وهي تحلق في زرقة السماء. وطالعني اسم قاسم الرسام كما في كل مرة بشكل بارز مشيرا الى انه من انجزها.
ولابد انه فعل ذلك في نهار واحد دون ان يدركه الليل لمجرد ان يزوّق بها الهيكل الكونكريتي ثم جمع عدته وانصرف.

New Page 2

أضافة تعليق أخفاء النموذج


Email : contact@beladitoday.com

جميع الحقوق محفوظة لجريدة بلادي اليوم 2011-2016  استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي