الأربعاء - 7 كانون الاول (ديسمبر) 2016 - السنة الثانية - العدد 1108
Wednesday-7 Dec 2016 No. 1108
معصوم: مرحلة ما بعد داعش تتطلب رصّ الصف الوطني القانونية النيابية تؤكد مضيها بتشريع جميع القوانين المعطّلة تعيين وجبة جديدة من حملة الشهادات العليا داعش يفخّخ المِئْذَنة القديمة ومواقع تأريخية في عنة اعتقال 3 نازحين بتهمة الإرهاب في البصرة فرض حظر جزئي للتجوال في سامراء لتأمين زيارة الإمامين العسكريين (ع) عضو في مجلس بغداد: أنباء جمع تواقيع لاستجواب المحافظ كاذبة شهيد وتسعة جرحى بانفجار ناسفتين في بغداد الصحة تطالب الداخلية بمنع بيع الألعاب النارية القوات الأمنية تحرّر قرى جديدة في الساحل الأيسر للشرقاط

موقع الدكتور إبراهيم الجعفري

قناة بلادي الفضائية

وكالة بلادي الإخبارية

مركز بلادي للدراسات الاستراتيجية

الجمال من صفات الله تعالى أودعها في مفردات مخلوقاته وركّب في النفس البشرية ملكة التذّوق لها......
بصعوبة ومثل كل مرة خرجت الموازنة من غرفة الإنعاش بقدرة قادر، ووضع الجميع ضد الجميع ......
مخطئ من يظن ان المشاكل التي تمر بها كرتنا كلها بسبب الإدارة الحالية لاتحاد كرة القدم، فالرئيسان .......
اختُتم في الجزائر العاصمة المنتدى الافريقي للاستثمار والأعمال، الذي استمرت فعالياته .......

اللغة بين القدماء والمحدثين


~وممارسة اللغة في الحياة اليوميّة, مشافهةً وكتابةً, دعَت الملاحظين, والعلماءَ, والدّارسين إلى الانكباب على دراستها وفحص نواتها ومكوّناتها ووضع تعريف جامع مانع لها. سنحاول في هذه المقالة وضعَ مفهوم اللغة بين ميزان القدماء والمحدثين؛ أي إننا سنتناول نظرةَ العلماء من أسلاف لغويي العرب للغة, وأًيضا كيف تناولها العلم الحديث, و نظرتُه لها, وأهمّ آراء المحدثين الذين درسوها  بشكل خالف في كثير من المواضع آراء القدماء وأقوالهم.

مفهومُ اللّغة عند القدماء

تعاملَ العربُ كغيرهم من الأمم  الأخرى مع اللّغة, ممارسةً ودراسةً, فأتقنوها من حيث النّطق والكتابةُ بها, ومن حيث دراستها واستكناه أسرارها ومعانيها ودلالاتها العميقة, فكانت تعاريفهم وتحديداتهم لها تعبّر عن أصالة في التّفكير اللّغوي عند العرب الذي مكّنهم من بناء صرح شامخ للغة  سمّي بعلوم اللّغة العربية, ومن تحقيق سبق تاريخي وحضاري في مجال البحث اللغوي. ولا يهمّنا هنا الدّخول في جدال تأثّر تفكير اللّغويين العرب بالثّقافات السّابقة, خاصة ثقافة الإغريق والهنود, بقدر ما ننوي التّركيز على إسهامهم المثير في تقديم فكرهم اللّغوي الذي يختزن بطبيعة الحال نظرتهم للغة بشكل عام. فعلماء من قبيل الخليل, وسيبويه, وأحمد بن فارس, وابن جني, وعبد القاهر الجرجاني ... وغيرُهم كثير قدّموا دراسات فريدة من نوعها في تعاملهم مع اللّغة على نحو جعل دراساتهم تتوارث عبر الأجيال لمئات السّنين, قبل بزوغ الدّرس اللّغوي الحديث الذي تغلغل من أروبا وأمريكا إلى الدول العربيّة في أواخر القرن التّاسع عشر وأوائل القرن العشرين.  فحين يعرّف أبو الفتح بنُ جني اللغةَ بقوله: أما حدّها فإنها أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم، فهذا يبلغ قمّة البحث اللّغوي حين يربط اللغة بالوظيفة, كونها تتحدد من خلال بعدها الوظيفي بين الأفراد والمتكلّمين على السّواء,  من خلال تبادل الأغراض والحاجات بواسطة اللغة. واللغة كما قلنا ممارسة ودراسة, فالممارسة وظيفة المتكلّم, بها يتفاعل مع مجتمعه, شريطةَ مراعاة قواعدها  التي يفرضها المجتمع على كل حال, ومن خالف هذه القواعدَ صار لاحنا, أو على حد تعبير أحد الباحثين مهرطقاً خارجاً على كنيسة سيبويه. أما الّدّراسة فهي وظيفة البَاحث الذي يحاول ملاحظة اللّغة كظاهرة اجتماعية, باعتبارها المرآة التي تعكس سلوك المجتمع وثقافتَه, ومن ثم  تكون وظيفة الباحث رصدَ التّلفظات اللغويّة الصّادرة عن أفراد المجتمع لوصف الظّاهرة اللغوية باعتبارها شيئاً في ذاته, لا بكونها مجموعةَ قواعد يجب أن تطبّق وتراعى حين التّكلم.
من هنا يمكن لنا أن نقول: إن أسلاف لغويي العرب تعاملوا مع اللّغة لا كمعطى يستحق الدّراسة في ذاتها, ولكن باعتبارها قواعد يجب أن يلتزم بها المتكلم, صحيح أنّ العرب الأقحاحَ فُطروا على التّكلم باللّغة العربية, فبرعوا في رصفها, نظمًا ونثرًا, خصوصا قبل وبعد بعثة النبي صلّى الله عليه وسلم, لكن مع حدوث اختلاط العرب بالملل الأُخرى التي دخل إليها الإسلام, تفشّى ما سمي باللّحن, نتيجة اختلاط اللّسان العربيّ باللّسان الأعجمي, مما دعا كما هو معلوم إلى تحصين اللّغة من خلال فرض قواعد ضابطة يجب أن يلتزم بها المتكلم حين التّكلم باللغة, خصوصا أن في خدمة اللّغة خدمةَ للقرآن الكريم, ليكون العاملُ في تعاملهم مع اللغة عاملا ًدينيّا محضاً.
وصحيح أيضا أن هؤلاء العلماءَ أسهموا أيّما إسهام في مجهودهم هذا لتحصين اللّغة وللحفاظ عليها وعلى جوهرها, فكان عملهم نفيساً مستحسناً, لما بذلوه في عملهم, لكنّ اللّغةَ على كل حال تحتاج إلى دراسات تدرسها داخل المجتمع لفهمه, وفهم ثقافته, وعاداته وتقاليده, مثلا لا يمكن لنا أن نفهم شيئا من نظم الجاهليين دون دراسة لغتهم دراسةً مستفيضةً تفهم اللّغة التي تكلّموا بها من حيث دلالات مفرداتها في ذاتها, وتقلّبها أو ثباتها. فمفردات من قبيل  الأزلام, أو بحيرة, أو سائبة, أو النُصب ... وهلم جرا لتعبر عن عادات الإنسان الذي عاش في الجاهليَة, و من ثمّ كان لزامًا فهم هذه المفردات لفهم عادات وتقاليد هذا المجتمع, و كل هذا بطبيعة الحال يتم بواسطة اللًغة؛ فهي المفتاح الذي يفك شفرة هذه المفردات.
بيد أنّ البحث اللّغوي المتقدّم في العصور الهجرية الأولى وحتى العصر الرّابع الهجريّ, عصر ترسيخ ثقافة عربية إسلامية ما زالت آثارها ممتدّةً حتّى عصرنا الحالي  جاء لتلقين كيف تمارس اللغة, لا كيف ندرس اللغة باستمرار مطّرد؛ أي تم ّمنع ُثقافة الابتداع, وترسيخ ثقافة الإتباع, مما جعل المتكلّم بطبيعة الحال يلتزم كما قلنا  بممارسة اللّغة المعيارية باعتبارها جزءا من العادات, والتّقاليد, والدّين, والملابس، وطريقة المعيشة في المجتمع الذي يعيش فيه؛  أي إن اللغة هنا جزء من الأَعراف الاجتماعية التي يلتزم أفراد المجتمع باتّباعها, لذلك كانت اللّغة عند أسلاف لغويي العرب عند ممارستها مدعاةً  لمراعاة الصّحة في استعمالها. يقول في هذا السياق المرحوم الدكتور العلامة تمام حسان: فقد جرت عادة الباحثين اللّغويين في الماضي على أن ينظروا إلى اللغة من زاوية المتكلم لا من زاوية الباحث, أي أن يفكروا في دراستها تفكيراً معيارياً... لا أن يفكروا فيها تفكيراً وصفياً... فكروا في اللغة تفكير ما يخضع الصواب والخطأ  في استعمالها لا لمقياس اجتماعي, بل لمجموعة من القواعد  يفرضها عليها فرضاً, ويجعل كل ما لا تنطبق عليه هذه القواعد إما شاذّا أو خطأً ينبغي ألاّ يدخل في دائرة الاستعمال العام, و لو كان أشيعَ على الألسنة. هذه المعيارية في فهم الأسلاف للّغة جعلت المتكلّمين يقعون في مطبّات كثيرة, من أهمّها ذلك العسر في ضبط قواعد اللّغة نحواً وصرفاً وبلاغة, وسبب هذا بطبيعة الحال أنّ التّفكيرَ اللّغوي القديمَ جمّد النّشاط الفكريّ في اللّغة منذ انقضاء عصر الاستشهاد لإقامة القواعد والأدلة بتلك الآيات القرآنية الكريمة, والمنظومات الشعرية والنثرية التي تلخص بطبيعة الحال المادة اللغوية العربية الفصيحة لتأسيس القواعد والمعايير التي ينبغي أن تهتديَ اللغةُ بهداها, لكن مع نهاية هذا العصر لم يطوّر اللّغويون الأسلافُ دراسةَ اللّغة  فاضطروا أن يدوروا حول ما تركه السّلف من قواعد, فكان معظم كلامهم اجترارا لتلك القواعد وتَكرارها, فلم يتكلّموا عن مادة اللغة البتة, ولا عن آليات استقراء جديدة تطوّر فهمَ اللّغة وتغني استعمالَها من لدن المتكلمين. ويرى الدّكتور تمام حسان أن حجّتهم في ذلك أنّ السّلف أتموا البحث اللغويّ, وأوقفوا العمل به برفض الجديد من الشّواهد.
إن اللغةَ بهذا الفهم هي مجرد وسيلة حياة في المجتمع, وانتهى أيّ اجتهاد قد يطول تلك المفاهيمَ التي تمّ ترسيخها منذ نهاية عصر الاستشهاد, فكانت قُصارى الجهود اللّغوية لخدمة اللغة تكون إمّا في سبيل الشّرح, وإمّا في سبيل التّعليق, وإمّا في سبيل التّحقيق والتّصويب.
إذن, وبشكل عام يمكن لنا أن نقول: إنّ القدماءَ نظروا إلى اللّغة في شكلها التّعليمي لا العلميّ, بمعنى أن علومَها أخذت طابعاً تعليميّا لا علميّا, فاحتاجت الدّراسة اللّغويةُ بإلحاح إلى بزوغ دراسة جديدة تُطوّر البحثَ اللّغويّ, وتجيبُ عن أسئلة تعليم اللّغة, خصوصا أنها لغة معيارية قوامها قواعد يجب أن تُلتزم في الاستعمال. هذا ما سنراه في المبحث الموالي. 
     نظرةُ المحدثين للّغة   
كانت الحاجة ماسّةً إلى تجديد الفكر اللّغوي العربي القديم, فبالرغم من تلك الأبحاث اللّغوية العربية التي خلفّها اللّغويون القدماءُ, والتي عبّرت عن براعة في التّفكير وعن سبق حضاري سبقَ بطبيعة الحال تلك الأبحاثَ اللّسانية الحديثة َالتي دبّت في العصر الحالي, يقول في هذا الإطار الدكتور رمضان عبد التواب: إن كتب فقه اللّغة العربي من تراثنا اللغويّ, حقا تبعث على الإعجاب والإكبار, إذ يظهر في شيء غير قليل من قضاياها سبقُ بعض العلماء القدامى لأحدث النّظريات اللّغوية في العصر الحديث بألف عام أو يزيد ... ففي هذه الكتب وغيرها علم كثير, ونظريات لغوية تقف شامخةً أمام بعض ما وصل إليه العلماء في عصر التّكنولوجية الحديثة, والعقول الالكتروني, لكنّ وصولَ لغتنا إلى هذا العصر الذي تغلب عليه التّكنولوجية الحديثة, والسرعة, حتى صار العالم كما يقال قريةً صغيرة, حتّم وبشدة مسايرة اللغة العربية لمقتضيات هذا العصر وتحدّياته.
ويمكن لنا أن نقول في هذا الإطار: إن محاولات التّجديد التي طالت اللغة العربية انطلقت منذ عصر النهضة, فقد وضع َالفكرُ اللّغوي العربي إبان مرحلة النّهضة أسسَ تفكير لغويّ ينطلق من واقع اللّغة العربية للإجابة عن تساؤلات لغوية عملية تتعلق بكيفية تطويع اللّغة العربية, وجعلها مسايرة للتطوّر الحضاريّ, ويتحدد ذلك تاريخيا بالنقلة الحضارية التي عرفتها  مصرُ إبّان عهد محمد علي التي  طالت الجوانب السياسية, والاجتماعية, والفكرية.  هذا التطوّر الملفتُ جذب إليه اللّغة بحيث إنّ مواكبتَها لهذا التطور صارت ضرورةً ملحة, فنشأت على إثر ذلك حركةٌ لغويّة جديدة اهتمت بالتّرجمة وإيجاد المصطلح العربي الملائم، فكانت اللّغة العربية في هذا العهد نشيطةً باعتبارها تصدّت لترجمة النّقول الغربيّة التي تُعرّف بحضارة الغرب وثقافته لنقلها إلى الثّقافة العربية التي عانت قبل هذه النّقلة الحضارية مما سمي بعصر الانحطاط.
ومن بين أهم ما حقق للثقافة العربية التجديدَ تلك البعثاتُ الدّراسية التي أُرسلت في هذا العصر إلى أروبا قصد الدراسة والتحصيل, وسنأخذ رفاعة الطهطاوي أنموذجا في ذلك, فقد كان من بين النّهضويين الأوائل الذين اهتموا باللغة العربية, ومن الذين دعوا إلى تجديدها لإزالة ما أصابها من جمود في المفردات وتعقيد في الأساليب والتّراكيب. وعموما فقد عالج الطهطاوي ثلاثَ قضايا في اللغة يمكن لنا حصرها في التالي: التعريب والمصطلح, تبسيط النّحو,  فهم طبيعة اللغة. كما ظهرت ايضا أبحاث تتناول المقارنة بين اللغات الطبيعية أو ما عرف بالفيلولوجية المقارنة بهدف فهم التطور الذي تعرفه اللغات, سواء اللغات الحية أو اللغات التي انقرضت ولم يعد لها أثر, وهذا بطبيعة الحال ظهر مع المستشرقين الذين اهتموا بدراسة اللغة على نحو لم يُعرف البتة عند القدماء, لكن العنوان الأبرز في مجال البحث اللغوي ككل هو الذي عُرف مع علم اللغة الحديث أو اللسانيات التي ظهرت مع العالم اللساني فيردناند سوسير فقد غيّرت اللّسانيات الحديثة النظرةَ إلى اللّغة, بحيث تعاملت معها بمنهج حقّه الوصف أولا وأخيرا, فأسدت إلى البحث اللّغوي الحديث بنظريات جديدة وحديثة أفادت في العديد من مجالات اللغة, خاصة تعليمها وتعلمها. ويعد فرديناند سوسير رائدَ هذا العلم الحديث ومؤسسَه وباعثَه إلى البحث اللغوي ككل, بحيث استقر رأيه أنَّ موضوع علم اللّغة هو دراسةُ اللّغة في ذاتها ولأجل ذاتها.  فاللغة عنده هي: ظاهرة معقّدة وغير متجانسة إلى حد بعيد, بحيث لا يستطيع الباحث أن يدرسها من أنحائها المختلفة. وقد كان سوسير حريصاً أشد الحرص أن يجعل علم اللغة علماً مستقلاً عن العلوم الأخرى, علم له موضوعه الخاص ومنهجه المناسب له. وتعريفه للغة يفترض سلفاً استبعاد أي شيء يخرج عن حدود بنيتها أو نظامها, أما مجالها فيكون في وصف وتعقب تاريخ كل اللغات المعروفة, وتحديد القوى المؤثرة دوما وعموما على كل اللغات واستنباط القوانين التي تخضع لها كل الظواهر التاريخية المحددة, ثم إن علم اللغة عنده ينتمي إلى علم جديد سيعرف بعد سوسير امتداداً كبيراً في الأبحاث اللغوية المعاصرة, هو علم العلامات, يقول سوسير في هذا الصدد: إن القضية _أي علم اللغة_ ليست أن نقرر ما إذا كان علم اللغة أقرب إلى علم النفس أو إلى علم الاجتماع, ولا أن نفسح له مكانا بين الفروع المعرفية القائمة, ولكن القضية يجب أن تطرح على مستوى مغاير تماماً, ومن خلال مصطلحات جديدة كل الجدة تولي مفاهيمها الخاصة. إن علم اللغة ينتمي في الحقيقة إلى علم لم ينشأ بعد, علم يتناول الأنظمة الأخرى المشابهة داخل مجموعة الظّواهر الإنسانية, وهذا العلم هو السيمولوجيا. وقد قسّم سوسير الظاهرة اللغوية إلى ثلاثة أقسام, هي: اللّغة, والكلام, واللّسان. فأما اللّغة فهي نظام من علامات وصيغ وقواعد, ينتقل من جيل إلى جيل وليس له تحقق فعلي, لأن الناس لا يتكلمون القواعد, وإنّما يتكلمون وَفقاً لها, وأقرب شيء إليها أنها تشبه السمفونية, على حين يشبه الكلام العزف على الآلات. أما الكلام فهو كل ما يلفظه أفراد المجتمع المعين, أي ما يختارونه من مفردات أو تراكيب ناتجة عما تقوم به أعضاء النطق من حركات مطلوبة. في حين يكون اللّسان ظاهرة عامّة تتمثل في العنصرين السّابقين "اللغة والكلام" مجتمعين, ولهذا لا يعده سوسير ظاهرةً اجتماعية خالصة إذ هو يشمل الجانبين معا الفردي "الكلام" والاجتماعي "اللغة".  وقد قرر سوسير غير مرة أن اللغة لا الكلام واللسان هي موضوع البحث لعلم اللغة, فبفصل اللغة عن الكلام نفصل في الوقت نفسه ما هو اجتماعي عما هو فردي, وما هو ضروري عما هو ثانوي. فاللغة ليست موجودة بشكل تام عند المتكلم, إنما موجودة فحسب بكاملها في الجماعة, أي إن كلّ فرد من أفراد الجماعة اللّغوية يحاول أن يأتي كلاما وَفقا لها, ولكنّه لا يمكن أن يحققها تحقيقًا كاملا, ومن ثم يتفاوت هؤلاء الأفراد في مراعاة قواعدها, ولعلّ هذا ما جعل اللّغة لا الكلام هي موضوع علم اللغة, لأن الكلام يتحقق في صور مختلفة لا حصر لها وليس ثمة علم يمكن أن يدرس هذه الصور في الواقع. وتعد العلامة اللغوية أحد أهم أفكار سوسير, كونها المبدأَ المركزي الذي دارت حوله أفكاره, يقول سوسير عنها: لا أحد يجادل في مبدأ اعتباطية عرفية العلامة, ولكن اكتشاف الحقيقة أقربُ منالاً غالباً من وضعها في موضعها الصحيح, هذا المبدأ السابق يسيطر على مناحي التحليل اللغوي, ونتائجه لا حصر لها, بيد أنه من الحق أن يقال: إن الأمر ليس واضحا على كل المناحي, وبعد إمعان النظر سوف تتضح كل المعالم, وبهذا نتبين أهمية المبدأ.
عموما يمكن لنا أن نقول: إن اللسانيات الحديثة تميزت عن الأبحاث اللغوية القديمة كونها نظرت إلى اللّغة نظرة وصفية تقوم على أساس الملاحظة المباشرة للظواهر اللغوية المدروسة في فترة زمنية محددة  وفي مكان محدد, أي القيام بدراسة سانكرونية للغة في حالة ثبات, بخلاف الدراسة الدياكرونية للغة في حالة تطور والتي كانت ديدن المنهج التأريخي المقارن الذي أشرنا إليه آنفاً. ويمكن اعتبار أن علم اللغة الحديث مدين للعالم اللساني فرديناند سوسير كونه نقل ميدان البحث اللغوي إلى ساحة أرحبَ توجد فيها مفاهيم جديدة فتحت الباب على نظريات لسانية أخرى ستتلو نظرية سوسير البنيوية, خاصة في مجال تعليم اللغة وتعلمها.
يتبين لنا من خلال ما سبق أن دراسة اللغة أمر ليس بالهين, كونها كانت الشغل الشاغل الذي جذب إليه اتجاهات مختلفة المشارب, كما أن أي علم من العلوم الإنسانية لا يجد نفسه في غنى عنها, كونها تعد وسيلة تعينه على فهم الظواهر التي يدرسها أي علم من هذه العلوم, ولا جدال في كون اللسانيات الحديثة أعانت البحث العلمي على توظيف اللغة بطريقة أمثل بحيث صارت مطاوعة للعلم الحديث, وتجيب عن كثير من الاسئلة التي تشغل الذهن البشري, خلافاً للأبحاث القديمة, وعلى قيمتها العلمية, بيد أنها كانت تكراراً لنماذج سابقة تظهر في كل حين من الأحايين بصورة لا تكسر الجوهر الذي ظهرت فيه منذ عصر تأسيس قواعد اللغة العربية وتقنينها في العصور الهجرية الأولى.

New Page 2

أضافة تعليق أخفاء النموذج


Email : contact@beladitoday.com

جميع الحقوق محفوظة لجريدة بلادي اليوم 2011-2016  استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي