الخميس - 8 كانون الاول (ديسمبر) 2016 - السنة الثانية - العدد 1108
Thursday-8 Dec 2016 No. 1108
ثلاثة شهداء و11 جريحاً بانفجار 3 عبوات في بغداد الكهرباء تباشر بمنح الطاقة 24 ساعة لـ 11 محلة في جانب الكرخ تشكيل محاكم جديدة للنشر والإعلام في 3 محافظات الإعمار تشيد بمشروع الــ 5 مدارس إعادة افتتاح الطريق الرابط بين الفلوجة وخالدية الرمادي مسلحون يسلبون 30 مليون دينار من مزارع شرقي بغداد انخفاض التضخم لشهر تشرين الأول وارتفاع السنوي بنسبة 0.2% الكشف عن وجود قيادات داعشية أفغانية في القائم الحكومة تعمم بإيقاف جميع التعيينات معصوم: مرحلة ما بعد داعش تتطلب رصّ الصف الوطني

موقع الدكتور إبراهيم الجعفري

قناة بلادي الفضائية

وكالة بلادي الإخبارية

مركز بلادي للدراسات الاستراتيجية

ما يمنح القوة في أي شخصية هو ما بها من ثوابت وأولى هذه الثوابت هو الارادة فما من انسان......
في خضم زحمة الأحداث الكروية التي شغلت الوسط الرياضي خلال الأسبوعين الماضيين .......
عينة من كبار السن، ومن نزلاء أحد مراكز المسنين هناك، وكان اختيار العينة يعود ........

الإبداع والاتباع في شعرية ابن زيدون الأندلسي


~إذا كانت الشخصية الإبداعية للشاعر ابن زيدون قد قادته إلى رسم طريق إبداعي خاص استلهم التجربة الشعرية لمن سبقه من شعراء، ومتح من معين الخصوصية الأندلسية، ومسارها الإبداعي فإن تجربة هذا الشاعر قد أثارت اهتمام النقاد القدامى والمعاصرين، فتتبع بعضهم ألفاظ ومعاني شعره، وبحث في  أصولها، واستخلص من مقارنتها بأشعار المشارقة وجود تشابه كبير بينها، غير أن الحكم النقدي المستخلص من هذه المقارنة لم يكن واحداً، فمن النقاد من اعتبر أن التشابه بين الأشعار وطريقة نظمها ظاهرة عادية عرفها الشعر العربي في مختلف العصور والأقطار، بل منهم من عمل على  البحث في مظاهر الابداع والتفرد في شعر ابن زيدون، باعتباره شكلاً من أشكال التحدي التي دأب عليها مبدعو الأندلس بعد نضج شخصيتهم الإبداعية، وقد تبنى مصطفى عليان عبد الرحيم الموقف القائل بتحدي الأندلسيين للمشارقة حين اعتبر أن شعراء القرن الخامس في الأندلس قد أرادوا لشعرهم أن يسمو للمقام الذي وصل إليه نظيره المشرقي، و أن يكون عملهم تذكيرا للأندلسيين بالإقبال على شعرهم الذي يحمل ملامح بيئتهم، إضافة إلى تخليد شعرهم وحفظه.
غير أن نقادا آخرين قد استخلصوا من تشابه شعر الشاعر مع شعر شعراء سابقين، أن ابن زيدون لم يكن إلا شاعراً متبعاً لا مبدعاً، وأنه مجرد ناقل لألفاظ ومعاني الآخرين، خاصة منهم البحتري، ولذلك استحق لقب "بحتري المغرب".
 لنتأمل في البداية الآراء النقدية الواردة في بعض المصادر الأدبية القديمة، قبل أن نتابع الجدل القوي بين بعض النقاد المعاصرين  حول هذا الشاعر.
فإذا تصفحنا المصادر النقدية القديمة التي تناولت أدبيته نجد أنها تجمع على نبوغه في الشعر و النثر، نمثل لها بما ورد في كتابين مهمين من كتب النقد الأندلسي هما كتاب (قلائد العقيان و محاسن الأعيان) للفتح بن خاقان الإشبيلي المتوفى سنة 529 هـ ، وكتاب (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) لابن بسام الشنتريني (  542 هـ ) ، فالفتح في القلائد قد ترجم لابن زيدون بما نصه: زعيم الفئة القرطبية، ونشأة الدولة الجهورية، الذي بهر بنظامه، وظهر كالبدر ليلة تمامه، فجاء من القول بسحر، وقلده أبهى نحر، لم يصرفه إلا بين ريحان وراح، ولم يطلعه إلا في سماء مؤانسة وأفراح، و لا تعدى به الرؤساء و الملوك، ولا تردى منه إلا حظوة كالشمس عند الدلوك، فشرف بضائعه، وأرهف بدائعه وروائعه، وكلفت به تلك الدولة، حتى صار يلهج بلسانها، وحل من عينها مكان إنسانها . (القلائد ص 209). فالفتح في هذه الترجمة يشير إلى الدور الريادي الذي لعبه ابن زيدون في نشأة مملكة بني جهور في قرطبة، إلا أن المهم فيها هو إعجابه و تأثره الكبير بأشعار ابن زيدون (المبهرة والساحرة)، ولذلك هو يعتبر أن القصائد والمقطوعات التي أوردها في كتابه لابن زيدون، (أرق من النسيم، وأشرق من المحيا الوسيم) ص 216، والفتح في هذا المجال يشير إلى خاصيتي الرقة والإشراق اللتين تميزان شعر الشاعر، وقد استعان في إبراز انطباعه هذا بالمعجم الطبيعي المحسوس: النسيم، المحا الوسيم. ويعتبر صاحب القلائد أن نونية ابن زيدون الشهيرة "قصيدة ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعا قصر عنه حبيب وابن الجهم". وهي إشارة إلى أن الشاعر في النونية قد اتجه وجهة تميزها عن مذهب الصنعة الذي تزعمه حبيب بن أوس الطائي/ أبو تمام ومذهب الطبع الذي يمثله أبو الحسن علي ابن الجهم، وهذا الاتجاه سمح لها بالتفوق ـ من منظور ابن خاقان ـ على المذهبين معا.
أما إذا انتقلنا إلى كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، فإننا نجد أن ابن بسام المعروف بنزعته الأندلسية قد احتفى بالشاعر ابن زيدون احتفاء كبيرا فهو عنده قد " وسع البيان نظما و نثرا إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه، وشعر ليس للسحر بيانه، وللنجم الزهر اقترانه، وحظ من النثر غريب المباني، شعري الألفاظ والمعاني"  الذخيرة: ص 336 ، وأضاف: فأما سعة ذرعه، وتدفق طبعه، وغزارة بيانه، ورقة حاشية لسانه، فالصبح الذي لا ينكر ولا يرد، و الرمل الذي لا يحصر ولا يعد. إن الحديث عن البيان في شعر ونثر ابن زيدون فيه إشارة إلى ما يتميز به من تدفق في الطبع، وعدم التزام السجع والازدواج، رغم ميله لاستعمالهما، وتوظيف للغة مستأنسة تمكن من الدلالة الواضحة عن المعنى الخفي، ويقول عما اختاره لابن زيدون من أشعار و منثورات وقد أخرجتُ من أشعاره التي هي حجول وغرر، ونوادر أخباره التي هي مآثر وأُثر، ورسائله التي أخرست ألسنة الحفل  واستوفت أمد المنطق الجزل، ما يسر الآداب ويصورها، ويستخف الألباب ويستطيرها.
و من الملاحظ أن صاحب الذخيرة قد عقد مقارنات بين شعر ابن زيدون وشعر سابقيه من المشارقة وخاصة منهم البحتري، لكن هذه المقارنات لم تكن بغاية إثبات فضل السابق على اللاحق، أو تقرير أن هذا قد أخذ من ذلك، بل هو يقارن بناء على تصوره النقدي العام المتمثل في تتبع المعاني المستحسنة، يقول في هذا الشأن: وإذا ظفرت بمعنى حسن، أو وقفت على لفظ مستحسن، ذكرت من سبق إليه، وأشرت إلى من نقص عنه، أو زاد عليه، و لست أقول: أخذ هذا من هذا قولا مطلقا، فقد تتوارد الخواطر، و يقع الحافر حيث الحافر، إذ الشعر ميدان والشعراء فرسان. إلا أنه  في الأخير قد استساغ إطلاق اسم (بحتري المغرب) على ابن زيدون عندما قال: ويقول بعض أدبائنا إن ابن زيدون بحتري زماننا، وصدقوا لأنه حذا حذو الوليد. من خلال ما سبق تأكد لنا أن النقاد الأندلسيين القدامى كانوا معجبين بمكانة الشاعر ابن زيدون وبقيمة شعره، معتبرين إياه مفخرة لبلاد الأندلس، يمكن مباهاة المشارقة بما أبدعت قريحته من شعر و نثر.
أما إذا انتقلنا إلى الباحثين المعاصرين الطامحين إلى إعادة النظر في التراث الإبداعي العربي القديم  فقد تعددت آراؤهم، حول شاعرية هذا الشاعر، حيث تذوق بعضهم في شعره شخصية الشاعر المبدع، فهذا علي عبد العظيم محقق الديوان يقر بأن ابن زيدون يعد في الرعيل الأول من شعراء العربية في جميع المواطن والأزمان، ومكانته في النثر قريبة من مكانته في الشعر، فاستحق أن يجذب إليه قلوب الأدباء في عصره وما تلاه من عصور،  بينما رأى فيه آخرون مجرد شاعر متبع لمسار شعراء  سابقين، هكذا وجدنا عددا من الباحثين يعودون إلى أوجه الشبه بين شعر ابن زيدون و شعر البحتري،  فهذا كرم البستاني في تقديمه لديوان ابن زيدون يقول: كان ابن زيدون كاتبا و شاعرا، و كان يلقب ببحتري المغرب تشبيها له ببحتري المشرق في روعته و ديباجته و سمو خياله، وحسن فنه، إلا أن البستاني قد سجل أن ابن زيدون يتميز عن البحتري بجمال الطبيعة واشراكه إياها في شعوره ولواعجه، شوقه وألمه مع فراق ولّادة، كما يتميز عنه بنعومة غزله وبراعته في تصوير اختلاجات نفسه، ولوعته ومزجه الغزل بوصف الطبيعة، غير أن البستاني يرى أن ابن زيدون لم يكن مبتدعا في قصائده المادحة، التي غطت مساحة كبيرة من ديوانه. ويعد شوقي ضيف من أكثر النقاد المعاصرين طعنا في شاعرية ابن زيدون إذ رأى أنه شاعر يخلط بين مذاهب العباسيين من صنعة وتصنع من غير طريقة مرسومة ولا خطة مدفوعة، وصورة معانيه هي الصورة العباسية، معتبرا أن من يتابع شعره يشعر أنه يكاد يسقط من ديوانه إلى أمكنته من شعر العباسيين، و مبرزا أن الشاعر  لا يختار له نسقا معينا يعيش فيه، بل هو يعيش في كل نسق يقرأه، فتارة يعيش في جو البحتري و أخرى في جو أبي تمام أو المتنبي أو أبي العلاء من غير تفريق بين هؤلاء الشعراء، ومعرفة أن كلا منهم يمثل مذهبا خاصا به ( الفن و مذاهبه في الشعر) غير أن شوقي ضيف قد عاد في موضع آخر ليقر بشاعرية ابن زيدون حين قال: وكان ابن زيدون يحسن ضرب الخواطر والمعاني القديمة والموروثة في عملة أندلسية جديدة فيها جمال الفن وبهجة الشعر، (ابن زيدون ..) .
وقد تكفل د. عباس الجراري في كتابه " فنية التعبير في شعر ابن زيدون بالرد على مزاعم ضيف السابقة معتبرا أن فيها نوعا من التحامل ( ص 73 ) مسائلا: إياه متى كانت تلك المذاهب  (مذاهب شعراء المشرق)مقياسا لازما لفنية الشعر ؟  وهل نستطيع أن ننكر ما يتميز به الشعر الأندلسي من رشاقة وانسياب وجمال في الصياغة؟ بل هل نستطيع أن ننكر ما يتميز به الشعر الأندلسي من رشاقة وانسياب وجمال في الصياغة؟ بل هل نستطيع أن ننكر أن هذا الشعر ينطلق من العاطفة ولا ينطلق من مجرد المهارة الصناعية؟ ويضيف الجراري مبرراً التشابه القائم بين أشعار ابن زيدون وسابقيه من شعراء الشرق قائلاً: إن هناك حقيقة في تاريخ الشعر الأندلسي والمغربي عامة، وهي أن الشعراء كانوا مغرمين باقتفاء قصائد المشارقة ومعارضتها، و لكن هذه الحقيقة لا تعني أنهم يقصدون إلى التقليد، كما فهم ذلك نقاد ومؤرخو الأدب في المشرق بقدر ما كانوا يقصدون إلى التحدي، وإظهار القدرة  و البراعة، وبهذا يجب أن يفسر كذلك تلقب شعراء أندلسيين بأسماء شعراء مشارقة كتلقب شاعرنا ببحتريها، حقا لقد كان ابن زيدون كذلك، ربما لالتقائه مع الشاعر العباسي في مجال العناية الفائقة بالموسيقى والصياغة، و إن لم يبالغ شاعرنا في استعمال المحسنات ولم يتكلفها، ولكن الذي لا شك فيه أنه كان يفوق البحتري بقوة العاطفة  وصدقها وبغنى التجربة الحياتية عامة ( فنية التعبير في شعر ابن زيدون 74 ـ 75 ) وفي الختام يمكن القول: إن الحكم على شعر شاعر لا ينبغي أن تحكمه بأية حال نزعات إقليمية، بل الأولى أن يعتمد على الذوق الفني للمتلقين، والدراسة المتمعنة للمقومات الجمالية للإبداعه، ولعل قراءة متذوقة ومتمعنة للكثير من قصائد ابن زيدون تؤكد أن هذا الشاعر واحد من الشعراء العرب الكبار، لا تنقص قامته الفنية عن قامة الكثير من الشعراء الذين نصنفهم عادة ضمن الشعراء الفحول.

New Page 2

أضافة تعليق أخفاء النموذج


Email : contact@beladitoday.com

جميع الحقوق محفوظة لجريدة بلادي اليوم 2011-2016  استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي