الخميس - 23 شباط ( فبراير ) 2017 - السنة الثانية - العدد 1157
Thursday-23 Feb 2017 No. 1157
التغيير تكشف عن حالات خطف وقتل ممنهجة ضد ناشطين وصحفيين في كردستان الهجرة النيابية تتوقع نزوح 150 ألف شخص من أيمن الموصل برلمانية تعلن عن المشمولين بـقانون نقابة الأكاديميين العراقيين المؤبد لثلاثة أشخاص أدينوا بانتمائهم لداعش في كركوك ! إطلاق الدفعة الأولى من إعانات شبكة الحماية الشهر المقبل استشهاد وإصابة أربعة أشخاص بانفجار ناسفة غربي بغداد خبير قانوني: التجاوز على أراضي الدولة جريمة يعاقب عليها القانون منع اصطياد طائر الحباري استرداد أكثر من مليار ونصف المليار من المتجاوزات على الحماية الاجتماعية محافظ صلاح الدين: الموقف الأمني في الإسحاقي مسيطر عليه

موقع الدكتور إبراهيم الجعفري

قناة بلادي الفضائية

وكالة بلادي الإخبارية

مركز بلادي للدراسات الاستراتيجية

عندما أبرم اتحاد كرة القدم عقداً مع المدرب راضي شنيشل لقيادة المنتخب الوطني في المرحلة الثانية ........
قالت صديقتي إنني أدمنت التنقل كل خمس أو ست سنوات من بيت لآخر، أشعر بأن نداء خفياً ........

خطابات الهوية العربية في عصر الآلة ... تأريخ الطباعة العربية وبواكير جدل التـغيير


~د. محمد الزكري
 
المقالة لا تركز على الآلة كحدث مادي علمي في المجتمع لضآلة المادة في هذا الجانب في مشوار النهضة العربية، بل هي تتطرق إلى البحث في الآلة كحدث خطابي غير مادي مثل أن تكون حدث ديني يتناوله علماء الدين، كحدث ثقافي يتناوله أهل الثقافة، كحدث سياسي يتناوله رجال السياسة، كحدث اقتصادي يتناوله النخبة.
ولكون خطاب الآلة منبراً تعبيرياً فهو موعّي لكل جماعة (دينية أو تيار ديني، ثقافي، سياسي أو اقتصادي) بخصوصيته وعليه سترصد هذه المقالة مدى توغل خطاب الآلة إلى أعماق هوية المعرفة وهوية الإنسان الذي يدور في فلكها.
هوية المعرفة ما قبل الآلة (الشـفاهيـة والذاكرة، الكتاتيب وجماهيرية محو الأمية، الخط وارتباطه بالنخبة).    
بعد نزول الآية القرآنية "إقرأ باسم ربك الذي خلق" فطن العربي المسلم إلى حتمية ارتباطه بالقراءة. والقراءة تعني وجود الكاتب، المكتوب والقارئ. وبدأ التحول من ثقافة الشفاهية المعتمدة على أدوات الذاكرة، الرواية والاستماع إلى ثقافة التدوين المرتبطة مع حراك النبي الكريم (ص) وأصحابه (رضي الله عنهم) في عملية تدوين القرآن. سرعان ما ظهرت "الكتاتيب". والكتاتيب دُور محو الأمية استخدمت القرآن العظيم ككتاب يتعلم الصبي والصبية القراءة والكتابة ودينه من خلاله. بعد عملية محو الأمية ظهرت حوانيت "النـسخ" وهى دكاكين متخصصة في نسخ، تجليد، بيع، وتأجير الكتب لتلبية حاجة المتعلمين. وعلى هامش صناعة النـسخ تطورت صناعة الورق، الحبر، والأقلام القصبية. يمكن للورّاق أن ينسخ ما معدله 75 صفحة في اليوم، مع أن هذا يبطئ من سرعة نسخ الكتب فهو أيضا عامل من عوامل غلائها. ارتبطت الكتابة بالكتاتيب ولكن هناك طبقة الخطاطين وعلينا أن نميز بين الكاتب والخطاط. كما أن الخط العربي ليس فوق علاقات القوة ودينامكية التغيير وبكل اختصار ومنعاً للخروج عن الموضوع علي أن أبين أن كل بروز لنوع خط من الخطوط العربية ارتبط ارتباطا وثيقا بالتيار الذي تبناه، وكان جزءاً من خطابهم ومشكل لهويتهم ووعيهم الجماعي. واستمرار الخطاب المرتبط بنوع الخط هو علامة على فاعلية تلك الجماعة في المجتمع وانقطاعه دلالة على أفولهم. ولاستمرار هوية نوع الخط عبر الأجيال ألفت كل جماعة كتب تبقي على وجودهم. و تحت ذريعة جودة النـّسخ وضع الخطاطون في كتب الخط معايير جمالية توعّي النـّاسخ والقارئ بالمقبولات والمرفوضات الحسيـّة والفنيـّة لهوية ذاك الخط أي هوية الجماعة. كما أرتبط نجاح الجماعة بإقناع السلطان من ربط هوية الجغرافيا بخط ما. فعرفت بلاد بخط دون آخر. مثل الخط المغربي، الأندلسي الفارسي. ومن ثم توطدت هذه المعايير وتأكد بقاؤهم من خلال عنصر التبجيل في الذهن العربي.  
وقعت خزانة الديار الشامية تحت ضغط تمويل المقاومة ضد الغزو الصليبي مما دفع دمشق إلى ابتداع نظام مصرفي جديد مرتبط مع الآلة. حيث قررت دمشق طباعة النقود الورقية ومقايضتها مع تجار الشام مقابل ما يملكون من ذهب وفضة لتتمكن الدولة من تمويل حروبها ضد الغزاة. طورت العبقرية الدمشقية نظام الطباعة الآلية المعتمد على قوالب خشبية وطبعت النقود الورقية بدقة تجاوزت تفاوت الإنتاج اليدوي وضمنت سرعة الإنتاج للأعداد الكبيرة المطلوبة. فطبع أهل دمشق نقوداً ورقية تسمى "القراطيس السود" أو "العادلية"، وذلك في زمن السلطان نور الدين زنكي (1118م - 1174م). تجربة العرب المبكرة للتعامل مع الآلة لم يثر قضية التراث-المعاصرة بل أثارت أسئلة تدور حول مشكلة التضخم المالي. فقد رصد المقدسي انعقاد مؤتمر بين التجار والسلطان نور الدين، دارت محاوره حول تراجع قيمة عملة "القراطيس" أمام قطع الدنانير المعدنية، فطلبوا من السلطان إلغاء التعامل بـ القراطيس ولكنه رفض لما له من تأثير على قوة الدولة المالية. استمر خطاب تظلم التجار وبسبب غياب مؤسسة مالية تنظم سعر "القراطيس" في سوق دمشق تحولت القضية المالية إلى قضية دينية. حينها أبدى الشيخ ابن اليونيني (نسبة إلى "يونين" قرية إلى الشمال من بعلبك) تخوفه من الظلم الذي يقع جراء تقلب قيمة عملة "القراطيس" على الناس. وفي زمن الجهاد الإسلامي لم يسهل على الحكام المؤمنين بقيم الإسلام مخالفة الإسلام. فرضخ سلاطين دمشق لمخاوف الشيخ اليونيني، وهو شخصية موقرة عندهم، وألغيت العملة.
ساهم دعم الدولة للطباعة الآلية بتوسيع نطاق تلمس حدث الآلة عند كل بيت وفرد في المجتمع الدمشقي. وفهم العربي الآلة من خلال عدة محاور متنوعة وصلت إلى وعيه من خلال خطاب مالي، ديني وسياسي. ويبقى الواضح في الخطابات الآنفة هو غياب مسألة تحريم الآلة أو ربطها بآفة تحطيم التراث أو قيم الماضي.
  مباشرة بعد إلغاء دمشق لآلة الطباعة تحولت الآلة إلى مشروع فردي وتضاءل حضورها الاجتماعي. ما يدعم عدم رواج الطباعة في العالم الإسلامي هو عثور علماء الآثار على أعداد قليلة فقط من نصوص لحوالي خمسين كتابا تمت طباعتها بواسطة نظام الطباعة بالقوالب الخشبية. وآخر ما عثر عليه هو كتاب ديني مطبوع يعود إلى عام 1350 م وقد عثر عليه قرب مدينة "الفيوم" المصرية. رفض الآلة بخطاب منع قطع رزق الخطاطين وتأسيس مطابع الأقليات اليهودية بخطاب التسامح
بعد عدة قرون، اخترع الصائغ الألماني "يوهان غوتنبرغ" طريقة الطباعة بالأحرف المنفصلة أو المتحركة باستخدام النحاس والفولاذ في عام 1450م ومازج بينها وبين آلة عصر العنب "Wine Press" فتولدت مطبعة كتب "Book Printing Press".  بعد 35 عاماً من تاريخ ظهور أول مطبعة، أي في عام 1485، أثير في بلاط السلطان بايزيد الثاني العثماني (1447- 1512) موضوع إدخال الآلة في صلب الثقافة الإسلامية من خلال استيراد المطابع من أوروبا. ولكن أبدت مؤسسة المشيخة الإسلامية العثمانية (تأسست 1425م) تخوفها من تشييد المطابع العربية بحجة أن المطابع أداة يمكن استعمالها لتحريف القرآن الكريم. الغريب في الفتوى أنها لم تسمح بطباعة الكتب الأخرى وكأنما المصحف الشريف غطاء لمنع شيء آخر. يذكر التاريخ أن فتوى الفقهاء العثمانيين كانت تتخوف من إخراج الآلة لقطاع اليدويين من الخطاطين خارج الطلب حيث ستهمشهم الآلة. بمعنى أن التحريم دار حول ما هو أفضل: صناعة توظف عدد أكبر من الشعب، أم صناعة توظف عدد أقل من الأتراك ؟ تحت غطاء خطاب قطع الرزق وتحريف المصحف فهم الأتراك معنى الآلة فأصدر السلطان "فرمان" (أمر) يمنع إدخال تقنية المطابع باللغة العربية والتـّركية في جميع أرجاء السلطنة. وخلال عقود قنـّنَ العثمانيون عقوبة الإعدام لمن يطبع من المسلمين الكتب باللغة العربية أو التـّركية وثبـّـتوا ذلك بإصدار فتوى من المشيخة تكفر من يقدم على الطباعة.  
في تلك الأثناء برز خطاب فتح الأذرع في الإمبراطورية العثمانية للترحيب بالعرب واليهود الفارين أو المطرودين من إسبانيا. إسبانيا التي طبقت محاكم التفتيش الدينية (Spanish Inquisition) على العرب واليهود منذ 1478 م إلى عام 1789م.
كان أحد الأسبان الفارين من محاكم التفتيش يهودي اسمه "صموئيل بن نهمياس". دخل السيد صموئيل في عام 1493 على السلطان بايزيد الثاني وأقنعه بإعطاء اليهود حق تشييد المطابع من باب حفظ دينهم وصيانة هويتهم عن الذوبان. وتحت ذريعة خطاب التسامح فهم التركي دوافع إجازة السلطان للرعايا العثمانيين من أتباع الديانة اليهودية من الأسبان (السفارديين) إقامة مطابع تطبع باللغات التي يتحدثون بها وهي: العبرية، واليونانية، واللاتينية، والإسبانية. على الفور أسس السيد صموئيل أول مطبعة في العالم الإسلامي وطبع التوراة بالعبرية مع تفسيرها في عام 1494م، وطبع كتابٌ في قواعد اللغة العبريـّة عام 1495م. أزداد عدد مطابع اليهود حتى بلغت ثلاث، وطبعت كتب بعدة لغات في عهد السلطان بايزيد الثاني  بلغت تسعة عشر كتابًا. على نهج الاستثناء لليهود سمح العثمانيون المتسامحون للأرمن من تأسيس مطبعة بلغتهم وذلك عام 1565 في مدينة اسطنبول.
 

New Page 2

أضافة تعليق أخفاء النموذج


Email : contact@beladitoday.com

جميع الحقوق محفوظة لجريدة بلادي اليوم 2011-2017  استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي