الخميس - 19 كانون الثاني ( يناير ) 2017 - السنة الثانية - العدد 1135
Thursday-19 Jan 2017 No. 1135
مجلس الوزراء يطلق الموازنة المالية الخاصة بانتخابات مجالس المحافظات معصوم يدعو لتطوير المعامل والمصانع القريبة من مدينة الصدر لامتصاص البطالة التربية النيابية تضع اللمسات الأخيرة لقانون حماية المعلم استشهاد مدني وجرح ستة بانفجار ناسفة في التاجي الأمريكيون المدانون بقتل عراقيين في حادث ساحة النسور يتحايلون لإطلاق سراحهم السجن 10 سنوات لسيد باقري لانتحاله صفة الحشد الشعبي عودة 2200 نازح إلى مناطقهم المحررة شرق الموصل آلية جديدة لتعويض المتضررين غداً ... الحج تجري الامتحان التنافسي للمرشدين للموسم الحالي تخفيض تذاكر السفر للقضاة بنسبة 25%

موقع الدكتور إبراهيم الجعفري

قناة بلادي الفضائية

وكالة بلادي الإخبارية

مركز بلادي للدراسات الاستراتيجية

قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال الأسبوع الماضي زيادة عدد المنتخبات المشاركة في بطولة ........
ما يجري حاليا في اليمن لم يعد حربًا عادية تشبه الحروب التي حصلت عبر التاريخ، أو تلك التي .........

خطابات الهوية العربية في عصر الآلة ... تاريخ الطباعة العربية وبواكير جدل التـغيير


~د. محمد الزكري
بعزيمة مثل هذا الخطاب أمر البابا مطبعة مدينة "فانو" الإيطالية بطباعة "أول" كتاب ظهر باللغة العربية في أوروبا وهو كتاب "صلاة السواعي". توفى البابا بولس الثاني قبل إتمام الطباعة. فواصل البابا ليون العاشر (1475–1521  Pope Leo X) المشروع، وعندما جهز الكتاب في عام 1514م، ولضمان ولائهم للمؤسسة البابويـة، أمر بتوزيعه حصرياً على العرب من الروم الأرثوذكس الشرقيين. أراد البابا ليون مع الملك الفرنسي فرانكو الأول (king François I ،1494-1547) استعراض تفوق وقدرات الآلة الأوربية (التي تطبع الكتب ليست فقط بالسرعة بل أيضا بالجودة) على العرب المتفاخرين بيدويـة اليد التي تخط المخطوطات. فأمر في عام 1516 بطباعة كتاب "مزامير داود" وقد طبع ضمن ما طبع 50 نسخة فاخرة أهداها الى القادة العرب من أمراء مسيحيين ومسلمين.
شعر العرب المسيحيون بأهمية تيسير نقل المعرفة من خلال الكتب الرخيصة ولتوطيد استقلالية محلية فأنشأوا أول مطبعة عربية في مدينة حمص على يد رجل من آل دباس ثم نشر فيها عام 1706 كتاب الإنجيل مزيناً بصورة الانجليين الأربعة، وبعد ذلك قامت مطبعة دير الشوير بلبنان وكان باكورة مطبوعاتها كتاب (ميزان الزمان) سنة 1734.
سمحت فتاوى روما باستشعار الآلة وبتقدير دورها على تخفيض تكلفة نقل المعرفة إلى عامة الناس. سمح هذا التفهم المبكر من ارتباط الطباعة العربية بالمسيحيين العرب ومن خلالهم بدأت الكتب العربية تنتشر.
"1716 م" عام التـحليل
ساهمت فتوى مفتي الإمبراطورية العثماني زمن السلطان أحمد الثالث (1673- 1736) شيخ الإسلام عبد الله أفندي سنة "1716 م" بإلغاء عقبة الحاجز الديني من أمام العقل المسلم بعد أن أجاز المطابع. حصل هذا بعد مناقشات قاد مجهودها التنويري إبراهيم مُتـَفرّقـة (1674 – 1745) مع المفتي. اقتنع المفتي، فأجاز استخدام المطبعة لطباعة كتب الحكمة واللغة والتاريخ والطب والهيئة على أن تتعهد المطابع بعدم طباعة كتب الفقه والتفسير والحديث وعلم الكلام. وعندما لاحظت مؤسسة المشيخة العثمانية انتشار الكتب بين الإسطنبوليين بسبب رخص أسعارها أصدروا فتوى أخرى تجيز طبع الكتب الدينية وأذنوا بطبع وتجليد القرآن الكريم.
"1820 م" بداية خطاب التنوير العربي الإسلامي  المدعوم من قبل السلطة
لم تستنهض فتوى الشيخ عبد الله أفندي المبيحة للمطابع الهمم العربية الإسلامية بنقل تقنية الطباعة إلى العرب، فالبناء الثقافي الذي ينتمي إليه الراغبون في إبقاء الوضع الثقافي كما هو كان الفاعل الأقوى في المجتمع من تلك الأبنيـة الثقافية الراغبة بتطور العالم الإسلامي. نفوذ نخبة "اللاتغييريين" الواسع مضافا إليه غياب سلطان متـَنـَور أدى إلى إقباع مـَلـَكة التفكير العلمي ورغبة البحث التطبيقي عند المسلمين خلف قيود متخيلة تخيلها خطاب. رغم ذلك دخلت المطبعة العربية لأول مرة مصر عندما استعمرها نابليون في عام 1798. استخدمها نابليون لطبع إرشاداته لجنده ولتوزيع تحذيراته على الشعب المصري من مغبـّة عصيان أوامره. وفي عام 1801 رحل الفرنسيون ومعهم المطبعة. هنا، أستيقظ المسلمون على حجم قوة تقنية الآلة الأوروبية العسكرية، وعلى سعة براعتهم الإدارية. أدرك العرب أن ممالكهم لن تدوم إلا بامتلاك ناصية القوة التي يمتلكها الأوروبيون. صدمة استعمار مصر نقلت ولأول مرة مهمة الرحلات العلمية من نطاق مجهود الأفراد إلى مسؤولية السلطة. فصارت حكومتا مصر وإيران (التي كانت تراقب بقلق ما حصل في مصر) تبعثان خيرة تلاميذهما إلى أوروبا لنقل المعارف ومن ضمنها المطابع.
استوعبت كل من مصر وإيران مدى ارتباط المطابع بالتبشير المسيحي، فبعثت إيران السيد ميرزا صالح شيرازي (ت بعد1841) إلى بريطانيا. تعلم السيد ميرزا سياسة التملق من خلال المشاركة في لقاءات التسامح الدينية مع المسيحيين البريطانيين. كما أنخرط في دروس خاصة لتعلم الكياسة "الأتكيت" الإنكليزي وأذواق ملابسهم ومأكلهم و فنونهم كما أجاد الإنكليزية بطلاقة. وعاد إلى إيران مع مطبعة عربيةفارسية إلى "تبريز" في عام 1820. على صعيد الجبهة المصرية أدرك "محمد علي"، أيضا، مدى ارتباط صناعة المطابع بالتبشير المسيحي، فأوفد مسيحيا إلى إيطاليا في عام 1815 لجلب المطبعة مع تقنية تشغيلها، وهو السيد "نيقولا مسابكي البيروتي". وعندما عاد، أسس السيد مسابكي أفندي مطبعة في "القاهرة" وهى مطبعة "بولاق" التي افتتحت في عام 1820. كما أسس المسلمون في عام 1820 في مدينة "لكناو" الهندية مطبعتهم، والتي إضافة إلى اللغات الأخرى تطبع بالأحرف العربية.
التأثير الحضاري للمطابع  بعد "1820" وتغيير مؤسسات المعرفة في العالم العربي
لقد كانت مطابع "القاهرة"، "تبريز" و"لكناو" بداية التاريخ الحقيقي للطباعة في العالم العربي والمسلم. فما بدأت المطابع عملها، حتى تلتها مطابع أخرى كثيرة. أدت المطابع إلى رخص أسعار الكتب، فقاد ذلك عملية تبدّل ثوري في نظام المدارس، وصار لكل تلميذ كتابه، وأصبح ممكناً للمدارس أن تعتمد على الكتب المدرسية المطبوعة، مما ساهم في تغير نظام المدارس، النواة الأولى لظهور المدارس الحديثة. بعد عام 1820 انكسر ولأول مرة حكر وذوق النخبة المعظـّم للمخطوطة لقيمة جمالها الخطي والمغيب خلف خطاب الجمال طبقة الكتاتيب وأهمية انتشار الكتب جماهيريـاً.  أتاح ذلك تساوي قدرة الأقل مع الأوفر حظاً على الوصول إلى الكتب، منابع القوة المعرفية. بحسب ذلك، اتسعت طبقة المثقفين التي مثلت ركيزة أساسية في تحديث المجتمعات العربية المسلمة. لم تقتصر انجازات هذه المرحلة عند مجال تأليف الكتب والترجمات بل تطورت إلى حراك ينقل معرفة الآلات وعلومها الهندسية إلى العالم العربي مما أدخله في ديناميكية حضارية ذات إيقاع جديد. كما أدى انتشار المطابع إلى ظهور جنس الصحف والمجلات التي تعالج مشاكل العربي الزمكانيـه مما رفعت من مقدار وعيه وقدرته النقدية للأحداث المعاصرة له. هكذا ساهمت المطابع بتحرير الشعوب العربية من حكر سيادة اتجاه الرأي الواحد، وأصبح ممكناً للثقافات المُهمّشة ذات الرأي الآخر (مخالف أو مختلف) من دخول الساحة الثقافية، مما وعـّى العربي بحجم تشعب مجتمعاته وبتعدد هوياته. مشوار جدل التغيير العربي الإسلامي في عصر الآلة مشوار ثري بتنوع معالجاته لشؤونه من منظور سياسي، ديني، اجتماعي ومالي والملفت هو غياب جدلية التراث – المعاصرة عن مسار آلة الطباعة. وكما ولـّدت الآلة خطابات غير مادية متنوعة ساهمت في تكوين هوية معرفية مرتبطة بالآلة وبهوية الإنسان الذي يدور في فلك الآلة.

New Page 2

أضافة تعليق أخفاء النموذج


Email : contact@beladitoday.com

جميع الحقوق محفوظة لجريدة بلادي اليوم 2011-2017  استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي